الإعلانات

"إيلاف قريش"، الاتفاقية التي غيّرت خريطة المنطقة وتاريخ العرب

نتائج إيلاف قريش
ويُختَلَف حول ما إذا كان هؤلاء الإخوة قد قاموا بنشاطهم المذكور بالتزامن أحدهم مع الآخر، أم أنهم قد قاموا به تباعاً عند تولي كل منهم الزعامة بعد موت أخيه، ولكن في كل الأحوال فإن نظام الإيلاف قد مثّل قفزة للتجارة في الجزيرة العربية.

فقد أدى إلى ضمان عدم انقطاع السلع بسبب الحروب والنزاعات، حيث أصبحت مكة مركزاً وسيطاً بين القوى المتحاربة، ينقل تجارة هذه لتلك وبالعكس دون تأثر بالمتغيرات السياسية.

كذلك فقد التزمت القبائل المسيطرة على طرق النقل التجاري بـ"الحبال" التي أعطتها لبني عبد مناف، لما لها فيها من مصالح، بل وزادت من إنتاجها وفوائضها لتزيد من ربحها من المشاركة في القوافل.

إضافة لذلك فقد ارتفع نشاط الصرافة نظراً لتداول عملات يمنية وفارسية وبيزنطية جراء تجارة تلك الدول في الجزيرة، فعرف المكيون نشاط الصيارفة، وأثروا من ذلك.

وقد أدى أيضاً إلى تسهيل تداول التجارات القادمة من خارج الجزيرة، فتجارة مصر كانت تأتي عبر الشام، وتجارة الحبشة عبر البحر الأحمر، وتجارة الهند عبر اليمن، وهكذا، مما أدى لارتفاع نشاط الموانيء بالذات على البحر الأحمر مثل ينبع وجدة.

وارتفع اهتمام المكيون بالمشاركة في التجارة الخارجية، فلم يعد ذلك مقتصراً على أثرياء البلد بل لقد شاركت الفئات الأقل ثراء سواء من مدخراتها أو من خلال الاقتراض الربوي مما أدى لازدياد أربح المرابين.

وسارعت بعض القبائل إلى طلب دخول الإيلاف أو الاستفادة منه حتى وإن لم تكن واقعة على طرق التجارة المعتادة، طمعاً منها في الربح وكذلك للاستفادة من حماية قوافلها خلال مرورها بمناطق "الإيلاف"، ففتحت بذلك طرقاً وأسواقاً جديدة.

وارتفع في هذه الظروف نفوذ القرشيون إلى حد أنه يقال أنّ المسافر على رأس قافلة كان يكفي أن يقول أنه من "أهل الحرم" أو أن يضع قلادة بها قطعة من شجر الحرم ليُعصَم من أية مضايقات وهو في طريقه.

وأخيراً، فإن تفاعل القبائل والعشائر من خلاله قد سهّل دخول بعضها في تحالفات جانبية لتحقيق بعض الاستفادات المشتركة.

القاريء في التاريخ العربي القديم يدرك أن الإيلاف كان قفزة واسعة، إذ أنه بدأ كمشروع بين طرفين هدفه خدمة قبيلة واحدة في بلدة واحدة، ثم اتسع ليمثل شبكة تجارية واسعة ونشاطاً إنسانياً كبيراً تداخَل مع الاقتصاد والسياسة والحياة الاجتماعية والثقافية بشكل عميق ومؤثّر.

فمجرد تتبع مختلف أوجه حياة العربي قبل الإيلاف ومقارنتها بها بعده يجعلنا نقف على الأثر العظيم لهذا النظام الذي يمكن أن نصفه بالمبتكر بمقاييس عصره، والذي ساعد بشبكة التواصل التي شكلها، في انتشار ثقافة مكّة إلى كامل المنطقة.

المصادر: تاريخ العرب قبل الإسلام، للدكتور محمد سهيل طقوش؛ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، للدكتور جواد علي؛ جزيرة العرب قبل الإسلام، للدكتور برهان الدين دلو؛ تاريخ قريش وأطلس تاريخ الإسلام، للدكتور حسين مؤنس.


الإعلانات

تصفح المزيد!

اغلق
لا حول ولا قوة الا بالله ربنا ينتقم منهااا شيررررررررررر وافضحوها